سبق أن تناولنا الحلقة الأولى من مقابلة مهندس الاتصالات عمر شوتر في مقال بعنوان: «مهندس الاتصالات عمر شوتر: أربعون عامًا في دائرة الفراغ المُحَرّف؟!». ونعود في هذا المقال إلى الحلقة الثانية التي بثتها منصة «مجتمع» بتاريخ 25 يوليو 2026، وما تضمنته من محاولة نقل جغرافية «أرض الميعاد» إلى اليمن.
في حلقة جديدة، أجرى الدكتور باسم الجمل مقابلة على منصة «مجتمع»، بتاريخ 25/7/2026م، مع مهندس الاتصالات عمر شوتر، على مدى ساعة وخمس وثلاثين دقيقة تقريبًا، كُرّست في أغلب وقتها لقراءة نصوص توراتية قال إن لديه منها حوالي 70 إلى 80 نصًا.
وقبل أن أضرب أمثلة مما تحدث عنه المهندس عمر، دعوني أبدأ بآخر ما جاء في المقابلة، وهو الجزء الذي لفت انتباهي لسببين: الأول أن مقدم الحلقة، الدكتور باسم الجمل، أصر على أن يشرح بنفسه أقوال المهندس عمر، ويوضح له أن الجغرافيا المتناقضة التي يتحدث عنها في بلاد اليمن، على الرغم من أن المتحدث كان يتحاشى ذكر اليمن بشكل لافت، لكنه أشار إلى حلقة قادمة أخرى ستُخصص لها، بما يمكن تلفيقه للسرد الجغرافي التوراتي في هذه الحلقة؟!
أما المهندس عمر شوتر، فقد أكد في ختام سرديته أنه ليس مهتمًا بتاريخ اليهود ولا يعاديه، ولكن مهمته هي الكشف عن المكان الصحيح لأرض الميعاد من خلال زحزحة الجغرافيا، على حد وصفه. والأعجب أنه مُصِرٌّ على أن هذه الجغرافيا يجب أن تُنقل إلى بلاد اليمن، كما يتهور في الإساءة إلى قبائل اليمن ونزع هويتها لصالح إشباع نزوة البحث عن خرافة «أرض الميعاد» في بلاد اليمن، ومن ثم توطينها هناك، وهو ما سنجده تفصيلًا في الحلقة القادمة، كما فهمت من حديثه ومداخلة المُحاور.
كما يؤكد أنه لا يسعى لهدم تاريخ اليهود، وإنما هدفه إعادة المصداقية إلى النص التوراتي، وإعادة تموضعه الجغرافي في مكانه الصحيح. ومن ثم، فهو يستغرب كيف صدّق الناسُ سرديةَ الأخوين «إسحاق» و«إسماعيل»، ابني إبراهيم، عليه السلام، وأن أحدهما يسكن في فلسطين والآخر في الجزيرة العربية، وهو ما لا يصدقه عاقل، كما يقول. يا له من اكتشاف خطير، يُكَذّبُ فيه حتى النص القرآني الذي أشار إلى إسماعيل وأمه هاجر وقصتهما في مكة، التي صارت مناسك حج للمسلمين حتى تقوم الساعة. طبعًا، أتوقع أن هذا الانزلاق يريد به تأكيد سردية فاضل الربيعي المتخيلة عن إسماعيل وإبراهيم ويعقوب.
كما أعلن أنه سيقدم في الحلقة المقبلة (الثالثة) أدلته التي سيعرض نصوصها وخرائطها، وكأنك تشاهد فيلمًا حيًا عن أرض الميعاد في بلاد اليمن.
أما المستغرب حقًا، فهو أنه أعلن تراجعه عن إصدار كتابه الذي بَشّر في الحلقة الأولى بأنه سيصدر بعد عام، وقال إنه لا يكتب ولا يحب الكتابة، وسيكتفي بتقديم رؤيته وأفكاره من خلال شرحها الحي في المقابلات. وهي، كما نعرف، الأكثر تأثيرًا، وقد صار جماعة التاريخ المُقَنّع يقدمون سرديتهم قبل صدور مؤلفاتهم، على العكس مما كان يحدث في الماضي. أما أن يُعلن تخليه عن إصدار كتابه، فهذا نترك تفسيره للقراء الكرام.
وفي عجالة، سوف أتوقف عند بعض الأمثلة التي ساقها كحجج مزلزلة، على حد وصفه.
أولًا: أورد نصوصًا متناقضة عن تشتت جغرافية التوراة المزعومة في فلسطين وسورية ولبنان ومصر، وجعل ذلك كشفًا عظيمًا لم يتنبه له الأكاديميون والمتخصصون في الآثار والنقوش واللاهوت، وأنه وجده منسجمًا في بلاد اليمن. ويظهر أن المهندس عمر، الذي يؤمن كغيره من جماعة التاريخ المُقَنّع بصحة النص التوراتي 100%، وخطأ الجغرافيا 100%، غاب عن عقله أن تلك التناقضات ليست سوى دليل على عدم صحة النص التوراتي كما أُنزل، ودليل على خرافة تهويل ما يُعرف بـ«الأرض الموعودة»، وليست دليلًا مزلزلًا على صحة النص التوراتي ودقته، كما ذَكَر.
ثانيًا: بدأ يمهد للتأثير على أهل اليمن بقبول سرديته، بقوله إن حقيقة وجود أرض الميعاد في بلاد اليمن، كما ثبت له، لا تُعطي اليهود الحق في المطالبة بها بعد هذه العصور الطويلة؟! ومن ثم، لا خوف من قبولها كتاريخ.
ثالثًا: اعترف، وهذا يُحسب له، بأنه لا يقرأ العبرية، ولا يقرأ نقوش المسند، وإنما يعتمد النص التوراتي العربي كما هو، ويعتمد على موقع «داسي» للنقوش اليمنية القديمة، وترجمات علماء اليمن للنقوش. ولم يفصح بعد عن تلك النقوش التي يتحدث عنها، وأتوقع أنها نقوش فاضل الربيعي، وكذلك النقوش التي كتبها اليهود خلال الفترة من القرن الرابع إلى السادس الميلاديين، وذُكر فيها اليهود وقبيلتهم والمملكة التوراتية، من قبيل الاعتقاد وليس التعاصر. فهي بعدد أصابع اليد الواحدة، بل يبعد زمن كتابتها عن المرحلة التي يتحدث عنها بأربعة عشر قرنًا؟! وواضح من إشاراته غير المباشرة أنه يستثير المشاهد المتخصص للرد عليه، كي يستفيد من تلك الردود في كتابه الذي ربما سيصدر حين يطمئن قلبه، رغم قوله بعكس ذلك. كما لوحظ تأكيده أنه لم يدخل في التاريخ نهائيًا، وإنما يناقش من خلال الجغرافيا. ولعله قرأ كتاب التاريخ المُقَنّع، وعرف كيف بَدّدَ التاريخُ الجغرافيا المتخيلة؛ لأنه سيعجز عن ملئها بالحدث التاريخي.
رابعًا: لاحظت، من استعراضه بعض الأسر والأسباط، أنه يكرر ما قدمه «فرج الله ديب» و«فاضل الربيعي» وغيرهما. وأضاف أشياء، ومن بين ما أعلنه أن ذِكر «وادي عَرَبَة» في التوراة ما هو إلا «البحر العربي». ويا للعجب من هذا الكشف العظيم!
خامسًا: ذكر أنه وجد حوالي 51 مملكة في إسرائيل، وهذا لا يتفق مع مساحة فلسطين، وإنما يتفق مع جغرافية اليمن الواسعة. ولو كان قرأ كتابنا «فوضى السرد في كتب التاريخ المُقَنّع»، لعلم أن تلك الممالك ما هي إلا ممالك مدن فلسطينية في أغلبها، واثنتان منها لبني إسرائيل، وهو نظام معروف في حضارات العالم القديم، يُعرف بنظام «دويلات المدن»، وقد ناقشنا ذلك طويلًا في كتابنا. وهو بذلك يجرد فلسطين من تاريخها من ناحية، ثم لا أدري من أين سيأتي بإحدى وخمسين مملكة قبل الإسلام في بلاد اليمن!!
سادسًا: من بين أدلته، وهي مجرد لهث خلف من سبقوه، أن الفرات ليس نهرًا، وأنه في اليمن. واستغرب كيف ذكرت التوراة نهر الفرات، وغفلت عن ذكر نهر دجلة، وهما متوازيان. ولعل العقلية الجغرافية هذه المرة خانت المهندس عمر، فلم يدرك أن نهر الفرات في اتجاه الغرب نحو بلاد الشام، بينما نهر دجلة في اتجاه الشرق، نحو إيران، وبالتالي لا حاجة لهم إلى ذكره.
سابعًا: استغرب كيف تذكر التوراة أن بني إسرائيل وصلوا للتجارة وغيرها إلى مصر، وهم لا يعرفون الطريق، بينما في اليمن المناطق في رقعة واحدة ومتقاربة. وهذا، لعمري، مما يؤسف له عندما يدعي غير أهل الاختصاص أنهم أفضل من المتخصصين الذين انساقوا خلف السردية الإعلامية وتركوا العلم، على حد وصفه. وهو نفسه لا يعرف أن العالم القديم كان شبكة طرق تجارية برًا وبحرًا. فما وجه الغرابة غير خداع عوام المستمعين؟
ثامنًا: استغرب كيف نصدق ما ذكرته التوراة من كميات البخور الهائلة التي كان يحرقها اليهود في معابدهم، وهو ما يشير إلى بلاد اليمن التي تنتج البخور، وليس إلى فلسطين. واستغرابه هذا أمر طبيعي؛ لأنه لا يعلم كذلك أن حضارات العالم القديم بكاملها كانت تستورد البخور من بلاد اليمن وبكميات كبيرة، وهذا من ثوابت المعرفة التاريخية وأبجدياتها.
تاسعًا: قال إن علماء الآثار لا يهتمون بالتفاصيل، ولذلك اخترعوا سردية قام هو ومن سبقوه بتصحيحها. ولا أدري من ينافس علماء الآثار في دراستهم لتفاصيل التفاصيل؟! وهو في طرحه هذا يختلف عن جماعة التاريخ المُقَنّع في إقراره بأن علماء الآثار فقط لا يهتمون بالتفاصيل، بينما من سبقه أنكروا الاستدلال بالآثار، وأقروا بصحة النص التوراتي فقط. كما أنهم اخترعوا تاريخًا، بينما هو أعلن عدم دخوله في التاريخ.
عاشرًا: استغرب مما ذكرته التوراة بقولها إن إسرائيل استأجرت ملوك مصر، وكذلك ملوك آشور. ومن تكون إسرائيل حتى تستأجر ملوك دولتين عظيمتين آنذاك، على حد وصفه؟ وهو بذلك يجهل عدة أمور، منها أن ذكر الاستئجار يدل على النسخ المتكرر للنص التوراتي، الذي أُعيدت صياغة الكثير من المواضع داخله، بينما الصحيح هو التحالف الذي قام بين دويلتي بني إسرائيل المذكورتين في التوراة بـ«إسرائيل» و«يهودا»، وكل واحدة منهما تشكل دويلة مدينة، وليس مملكة عظيمة كما صُوّرتا في التوراة المعاد كتابتها بشكل غير دقيق.
حادي عشر: يقول إن اسم فلسطين لم يُذكر في التوراة، وإن الترجمة الموجودة اليوم في دولة الكيان، ذكر المدونون أنهم لم يستطيعوا ترجمة «فلشتيم» إلى الفلسطينيين لصعوبات لغوية، ولذلك يترجمونه «فلستيين»، وهو موقن بذلك لسهولة نقله إلى جغرافيا أخرى، وهي أفكار كمال الصليبي، كما نعرف. وهذا يدل على أنه لا يعلم أن اليهود يعمقون في الذاكرة الجمعية أن الفلسطينيين هم هندو-أوروبيون جاءوا مع شعوب البحر التي هاجمت مصر في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وكانوا يسمون شعوب البلست. ولذلك يحرصون على اعتماد ترجمة تتفق مع هذه السردية، وقد فصلنا ذلك في كتابنا «فوضى السرد في كتب التاريخ المُقَنّع».
في الختام، هذه أمثلة مما جاء في المقابلة، وسنكون بالمرصاد للحلقة الثالثة، إن شاء الله.